ربما سمعتها آلاف المرات. ربما رددتها في الصباح وأنت نصف نائم، أو في المساء قبل أن يغلبك النعاس. لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كلمات بسيطة، صح؟ لكن، هل فكرت يوماً لماذا يصرّ النبي صلى الله عليه وسلم والعلماء على تكرارها مئة مرة تحديداً؟ الأمر ليس مجرد طقس ديني روتيني، بل هو بمثابة "إعادة ضبط" للعقل والنفس وسط فوضى الحياة التي نعيشها.
بصراحة، نحن نعيش في عصر التشتت. الجميع يريد قطعة من انتباهك، والهموم تنهش في هدوءك النفسي. هنا تتدخل هذه الكلمات لتعيد ترتيب الأولويات في عقلك الباطن. إنها ليست مجرد جملة، بل هي إعلان استقلال تام عن كل ما يقلقك.
ما الذي تعنيه لا اله الا الله وحده لا شريك له فعلياً؟
عندما نقول "لا إله إلا الله"، فنحن لا نثبت وجود الخالق فقط، بل ننفي الألوهية عن كل ما سواه. يعني ببساطة: لا أحد يملك ضرك أو نفعك، لا مديرك في العمل، ولا الظروف الاقتصادية، ولا حتى مخاوفك الشخصية. هي عملية تنظيف شاملة للقلب من التعلق بغير الله.
"وحده لا شريك له". هنا التأكيد. لا يوجد وسيط، لا توجد قوى خفية تشاركه في تدبير أمرك. هذا التوحيد يمنح الإنسان قوة نفسية هائلة. تخيل أنك تتعامل مع "المركز" مباشرة، دون الحاجة للمرور عبر قنوات فرعية أو استجداء الرضا من البشر.
يقول الدكتور محمد راتب النابلسي، وهو أحد أبرز العلماء المعاصرين الذين ربطوا الإيمان بالصحة النفسية، إن التوحيد هو قمة الراحة. لماذا؟ لأنك تجعل وجهتك واحدة. بدلاً من محاولة إرضاء مئة شخص، أنت ترضي واحداً فقط. وهذا الواحد بيده قلوب المئة الآخرين.
🔗 Read more: God Willing and the Creek Don't Rise: The True Story Behind the Phrase Most People Get Wrong
التفصيل في "له الملك وله الحمد"
دعونا نجزئ التتمة. "له الملك" تعني أن كل ما تراه وما لا تراه هو ملكية خاصة للخالق. فإذا كان هو الملك، فمن ماذا تخاف؟ أما "له الحمد"، فهي اعتراف بأن كل قدره خير، حتى لو بدا لنا عكس ذلك في البداية. أحياناً نمر بظروف قاسية، لكن "الحمد" هنا يأتي ليربط على قلوبنا بأن هناك حكمة لا نراها الآن.
"وهو على كل شيء قدير". هذه هي الضربة القاضية للقلق. كلمة "كل شيء" تشمل مرضك، ديونك، حزنك، وحتى أحلامك التي تراها مستحيلة. لا يوجد سقف للقدرة الإلهية.
لماذا يركز الجميع على رقم "100 مرة"؟
ورد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن من قال لا اله الا الله وحده لا شريك له مئة مرة في يوم، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي.
الحرز. فكر في هذه الكلمة قليلاً.
💡 You might also like: Kiko Japanese Restaurant Plantation: Why This Local Spot Still Wins the Sushi Game
نحن نبحث عن الحماية في كاميرات المراقبة، في التأمين الصحي، وفي حسابات التوفير. لكن هذا الذكر يوفر لك حرزاً روحياً ونفسياً. الشيطان هنا ليس مجرد كائن غيبي، بل هو الوسواس، القلق، الأفكار السوداوية، وفقدان الأمل. تكرار الذكر مئة مرة يعمل مثل "تكرار التوكيدات" في علم النفس الحديث، حيث يتم غرس الفكرة في العقل حتى تصبح جزءاً من نظامك العصبي.
الأثر النفسي والجسدي: العلم يتحدث
قد يبدو الأمر روحانياً بحتاً، لكن الدراسات حول "التأمل الوعي" أو (Mindfulness) تشير إلى أن تكرار الجمل ذات المعنى العميق يقلل من مستويات الكورتيزول (هرمون التوتر) في الجسم.
- هدوء ضربات القلب: التركيز على معنى التوحيد يخرج الإنسان من دائرة "الكر والفر" التي نعيشها يومياً.
- الوضوح الذهني: عندما تتأكد أن الله على كل شيء قدير، يتوقف عقلك عن تحليل ألف سيناريو سيء للمستقبل.
- الثقة بالنفس: أنت تستمد قيمتك من صلتك بالخالق، وليس من تقييم الناس لك.
كثيراً ما يتحدث علماء النفس مثل إريك فروم عن حاجة الإنسان للانتماء لشيء يتجاوز ذاته المحدودة. لا يوجد شيء أعظم من الانتماء للألوهية المطلقة التي تعبر عنها هذه الكلمات.
أخطاء شائعة عند ترديد هذا الذكر
بصراحة، الكثير منا يقع في فخ "السرعة". نردد الكلمات كأننا في سباق، دون أن تمر على قلوبنا. هذا يسمى في الأدبيات الإسلامية "ذكر الغافلين".
📖 Related: Green Emerald Day Massage: Why Your Body Actually Needs This Specific Therapy
السر ليس في حركة اللسان فقط. السر في "المواطأة"، أي أن يوافق القلب ما يقوله اللسان. إذا كنت تقول "على كل شيء قدير" وأنت في داخلك يائس تماماً من حل مشكلتك، فأنت لم تحقق جوهر الكلمة بعد. حاول أن تستحضر موقفاً صعباً في حياتك، ثم قلها وأنت تستشعر قدرة الله على تغييره في لمح البصر.
كيف تجعل لا اله الا الله وحده لا شريك له جزءاً من روتينك؟
لا تنتظر وقتاً مثالياً. لن يأتي. الحياة دائماً مزدحمة.
يمكنك البدء بتقسيمها. ربما 33 بعد كل صلاة؟ أو استغلال وقت القيادة أو المواصلات. المهم هو الاستمرارية. يقول علماء العادات إن بناء عادة جديدة يتطلب ربطها بفعل موجود أصلاً. اربط الذكر بشرب قهوة الصباح، أو بمجرد ركوب السيارة.
ستلاحظ بعد أسبوع واحد فقط تغيراً في نبرة صوتك الداخلية. ستصبح أكثر هدوءاً. ستجد أن المواقف التي كانت تثير جنونك أصبحت "صغيرة" لأنك وضعتها في حجمها الحقيقي أمام ملك الله وقدرته.
خطوات عملية للبدء اليوم
ابدأ الآن، ليس غداً. ابدأ بـ 10 مرات فقط بتركيز شديد. استشعر معنى "لا شريك له" في رزقك وفي مستقبلك. جرب أن تقولها وأنت تمشي في الزحام، وراقب كيف سيتغير شعورك تجاه الناس من حولك؛ لن تعود تراهم كمصادر تهديد أو منافسة، بل كخلق لله تحت ملكه وتدبيره.
تذكر دائماً أن هذا الذكر هو "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي" كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. أنت لست وحدك في هذا المسار، أنت تنضم لقافلة العظماء الذين عرفوا سر الطمأنينة الحقيقية في توحيد الوجهة والمطلب. اجعلها درعك اليومي، وستندهش من الأبواب التي ستفتح بمجرد أن يسكن اليقين قلبك بأن الله وحده هو الفاعل في هذا الكون.